( الجزء الثاني )
الجمعة 15 رمضان 1425هـ :
الساعة الثالثة فجراً ، ينتفض جوّالي .. كنت قد جعلته على ( الصامت ) . بين يدي أوراق ، وضعتها جانباً .. والتقطته . تأملت الشاشة .. كانت أمي .
- السلام عليكم .. هلا أمي ..
- محمد .. أبوك تعبان ..!
ارتديت ملابسي ، وانحدرت سريعاً . حين وصلت ، كان يجاهد ، لينتزع من فضاء واسع حوله .. نسمة هواء . يضع يده على صدره ، ويستجمع قوى جسد نحيل ، عصف به ثالوث التوحش : الشيخوخة ، والأمراض .. والابتلاءات . لم تكن مظاهر الشيخوخة ، وأعراض المرض لتتوارى ، أو يكن قادراً على إخفائها . بقيت تلك الأشياء .. التي يتحكم بها عظماء الرجال ، فتفتك بهم . سهام البلاء ، إذ تنشب نصالها ، بأفئدة الرجال وأرواحهم ، فيقاومون عواصفها الهوجاء ، بهامات لا تنحني .. وشيمة الصبر .. والألم المتشظي ، يمور في الحنايا .
- ســــــــــــــــــــلامات ..
لم يرد .. أومأ برأسه . أحضرت حذاءه ، وقلت :
- نمشــــــــــــــــــي للمستشفى ..
في الطريق إلى المستشفى ، كان الألم الهائل ، يجثم على صدره .. يدافعه بكفين معروقتين واهنتين ، يعاقب بينهما في الضغط على صدره .. كأنما يزيح بهما الألم الرابض على القلب . مجرى الهواء الذي بدأ يضيق .. قَسّمه بين ذرات الهواء القليلة .. التي ينازع لإدخالها إلى قلب .. ما زال يقاوم ، وبين ذكر الله . كان اسم الجلالة ، يَرِدُ بين كل شهقة وزفرة .
التفت إليّ .. وفي عينيه رأيت رجاءً هائلاً :
- محمد .. العيال ، تراهم من هاذي الرقبة إلى هاذي الرقبة .
كان يشير إلى رقبته ، ثم يشير إليّ . عرفت أنه يقصد إخواني الصغار .. يوصيني بهم . خنقتني عبرة .. وقلت :
- عمرك أطول .. يا أبي ..
- هذا الحق .. يا محمد ..
- لا تتعب نفسك بالكلام .. الله يحفظك .
وصلنا إسعاف المستشفى .. كانت الساعة تقترب من الرابعة فجراً . نزل .. ومشى قليلاً . أحضرت له كرسياً متحركاً .. فجلس ، وأسرعت به . مظاهر الألم البادية على وجهه ، اختصرت الأسئلة التقليدية ، التي تثيرها الممرضات عادة ، عن حالة المريض .. قلت :
- يعاني من ألم شديد في صدره .. وضيق في التنفس . أخشى أن يكون القلب ، لقد تعرض إلى جلطات في القلب ، أكثر من مرّه .
أنهضته الممرضة من الكرسي ، ووضعته على سرير الفحص ، ثم تحدثت إلى الطبيب قليلاً . غابت لحظات ، ثم جاءت تدفع أمامها جهازاً ، قالت أنه جهاز تخطيط القلب . حين اضطجع ، وشرعت في وضع المحسّات والمجسّات ، المرتبطة بالجهاز على صدره .. فجأة انقلب لونه إلى الأزرق . صرخت هي .. والفريق الفني ، العامل معها ، وأخذت تنادي على الطبيب . جاء الطبيب مسرعاً .. واللون الأزرق ينتشر بســــرعة . مزّق الطبيب ثوبه ، والتقط جهازاً ، وصار يدفعه داخل مجرى الهواء في فمه .. وآخر وضعه على صدره ، يقوم أحد مساعديه بالضغط عليه . كان .. والفريق الذي معه ، يدفعون السرير إلى غرفة أخرى .. مجاورة .. وهو يصيح ، رداً على صراخي عليهم : ما الأمر .. ما الأمر .. ؟ :
- انخفض الضغط ، امتنع الأكسجين عن الجسم ..
ثم أكمل إعطاء توجيهاته ، للفريق الطبي معه .. باللغة الإنجليزية .
في الغرفة الأخرى ، كان كل شيء يتم بسرعة : وُضع على التنفس الاصطناعي ، وَفُتِحَتْ له فتحة في الشريان .. وانتشرت الإبر في أوردته ، تصب الأمصال ، في جسده المجهد . الزرقة زالت .. لكن القلب كان ضعيفاً . ينبض .. لكنه معتمد على الأجهزة المساندة .. لا يقوى بنفسه.
أمام حقيقة هائلة .. وقفت :
القلب الكبير ، الذي كان مأوى الرجال ، والنساء ، والأطفال .. عاجز أن يقوم بأعباء الجسد النحيل . القلب الكبير ، الذي صمد أمام ( الأزمات ) الكبيرة ، وقاوم كل مظاهر القسوة والتوحش .. تتربص به الآن ( أزمة ) قلبية عارضة . يصارع من أجل ( ذرة ) أكسجين ، وهو الذي كانت من قبل ، تتنـــفس قلوب كثيرة .. أحزانها ، من خلاله .. !
كان الأطباء والممرضات ، مشغولون بكتابة تقاريرهم ، ووضعها في الملف المعلق بالسرير ، الذي يرقد عليه . كنت أدور حول السرير .. ألمس جبهته ، أو أضع يدي على كفه ، أو قدمه . صدره يعلو ويهبط .. لكن الجهاز يقول ، أن قلبه ضعيف ، أن ضغطه منخفض . أريد أن أطمئن :
- كيف هي حاله .. يا دكتور ..؟
- حالته حرجة .. تعرض لأزمة قلبية ، لا ندري أسبابها بالضبط ..!
لو تعلمون أي هموم يحملها ، أي توحش وقسوة ، صادفها هذا القلب ، لعرفتم الأسباب .. ربما . هل يحتفظ القلب بأرشيف لهمومه وأوجاعه ؟ هل لديه ملف ، يحتوي على قضايا الغدر ، والقسوة .. والظلم ، التي مورست ضده ؟ ربما لو أعملتم المشرط فيه ، لانداحت عليكم الملفات والقضايا .. ربما .
لكنه لن يقبل .. حيث ستــــــخرج جماهير الـــــــــــناس ، من الرجال ، والنساء ، والأطــــفال ، ممن اتخذوا قلبه ( خيمة ) أخيرة . لن يقبل أن تمزقوا أوتار الخيمة .. فتنكشف عن أناس ، اتخذوه ملاذاً أخيراً .
لن يقبل .. لأن القلوب الكبيرة ، تختار أن تسكت ، دون ضجيج .. ولا تتوقف عن العطاء ، أو تقطع أوتارها ، فتبوح للناس ، عما فيها .. من وجع ، وقسوة .. وأناس اتخذوها ملاذاً .. خيمة أخيرة .
- هل سيطول بقاؤه على هذه الحالة ..؟
- لا ندري .. الله أعلم . سينقل إلى وحدة العناية المركزة .. للمتابعة ، على أمل أن يستعيد القلب نشاطه الطبيعي .
الساعة الثامنة الآن . أخبرتني الممرضة أنهم يجهزون له سريراً ، في مركز الأمير سلطان لجراحة القلب . أرادت أن تشعرني أن وجودي ليس له معنى .. وأن علي أن أذهب :
- في الساعة العاشرة سيتم نقله إلى هناك .. حيث سيكون سريره جاهزاً . تستطيع أن تتصل لتطمئن عليه .
طلبت منها رقم اتصال ، فكتبته على منديل ورقي ، ونظرت أمامها .. حيث ثمة ورقة مثبتة على الجدار ، تحمل مجموعة من الأرقام .. فقالت :
- ... وهذا رقم التحويلة ..
وسجلته إلى جانب رقم التلفون . أخذت منها المنديل ، ثم اقتربت منه .. قبلت جبينه ، وخرجت .
اليوم الجمعة .. الطرق خالية . هل استوحشته المدينة مثلي ، فَخَفَتَتْ فيها الحركة ، وَخَفَت بها نبض الحياة .. مثلما هو الفراغ ، الذي بدأت أشعر به ، مثل هوّة سحيقة ، تتشكل في وجداني ، تهوي في قعرها ، معاني الرغبة في الحياة ,
بعــد الظهر اتصلت ، ردت ممرضة .. أعطيتها اسمه ، ورقم الملف الطبي ، وسألت عنه :
- لم يتغير شيء .. حالته ما زالت حرجة . من المستحسن أن تسأل الدكتور .. يكون موجوداً أثناء وقت الزيارة .
سألتها عن وقت الزيارة ، فأجابت ، أنها في الساعة الثالثة والنصف عصراً .. إلى الرابعة . جئت في وقت الزيارة .. سألت عنه ، فقالوا إنه في السرير رقم ( 9 ) . كانت الأجهزة هي التي تعمل ، وجوارحه تَبَعٌ لها . جسده ساكن ، وعيناه مغمضتان . لم يكن ثَمّةَ ( حياة ) .. إلا صدرٌ يعلو ويهبط ، موصول بعدد غير محدود من الأسلاك والأنابيب .
خاطبت الممرضة الجالسة إلى جانب السرير ، تدوّن ملاحظاتها عن عمل الأجهزة ، في بيان متعدد الخانات :
- أريد أن أسأل الطبيب عن حالته ..
- سأعمل له نداء .. ليأتي .
جاء الطبيب .. وذكر كلاماً عاماً ، لم يقنعني . أمام إلحاحي .. قال :
- ضغطه منخفض .. ( 70 ) كما ترى . يجب أن يرتفع فوق ( 90 ) .. ليتجاوز مرحلة الخطر . هناك التهاب في الصدر .. أضعف القلب ، وساهم في أزمته ، التي أدت إلى انخفاض الضغط . البكتيريا قوية ، ونحن نحاول أن نقاومها ، بإعطائه مضادين حيويين .
- .........................
- الأدوية .. صحيح أنها تعالج ، لكن لها مضاعفات . تؤثر في حموضة الدم ، وهذا له ..
لاحظ أنه قد بدأ يدخلني في متاهات الأدوية ، عندما بدأت اقلب نظراتي ، بينه وبين الوالد .. فتوقف .
في المساء .. جئت في وقت الزيارة الثاني ، العاشرة والنصف . ما زال في (غيبوبة ) .. جسده فقط . روحه كانت تحوم في المكان . في جسد كل من أحاط بالسرير ، من بناته ، وأبناء بناته ، وأبناء أولاده .. قبس منها .
الوالدة وقفت إلى جانب سريره ، كأني بها تنادي .. ولا رجع صدى . في عينيها حديث طويل ، عبّرت عنه رعشة كفها ، وهي تضعها على جسده .. عند كتفه العاري .. تتحسس نبض الحياة ، لرجل طالما منحها الأمان .. و تَحَسَّتْ في كنفه طعم الرجــــولة . بدت .. بجـــــــــسمها الصغير ، وهـــــــــــي تنحني عليه ، مثل حـــــــــــمامة مبتـــــــــلة ، واقفة عــلى باب وكرها .. غادرها شريكها ، في ليلة سوداء شاتية ، مطيرة .. وحيدة لها نواح .